نشأت الحمارنة

25

تاريخ أطباء العيون العرب

يحق لنا ، بل يجب علينا ، أن نتصور بدوي الصحراء هذا الذي أملت عليه بيئته أن يعتمد على نفسه في حله وترحاله - جيلا بعد جيل - أن نتصوره فارسا جاهزا للدفاع عن نفسه دائما ، فالبقاء للأقوى ، متقشفا حيث أن البيئة تبخل عليه بالطعام والشراب ، شاعرا يجد الوقت الكافي لان يحلم وان يفكر وفوق ذلك وقبل ذلك انسانا ذكيا . لذلك تكلم وكتب الكثيرون عن ( ذكاء البدوي ) . والصحراء هي التي شحذت هذا الذكاء وشذبته . فالبدوي مضطر إلى التنقل أطراف الليل وآناء النهار . فهو ملزم بالاعتماد على معرفة حركات الكواكب ليضبط الوقت ، ويستدل بها على الاتجاه . وهو وحيد في الطريق غالبا ، أو مع كوكبة قليلة العدد من رفاقه وعليه ان يعتمد على نفسه في اعمال الاسعاف الطبي والجراحي . وهو مضطر إلى التعرف على الخصائص الغذائية والدوائية لاعشاب الصحراء ، التي كثيرا ما كان ملزما عليه أن يتعامل معها . وهو قبل هذا كله - بسبب توحده - ملزم أيضا باتخاذ القرارات السريعة والحاسمة التي لا تعرف التردد ، فالحياة في الصحراء لا تتحمل ترددا ولا ضعفا . ان هذا التأثير من البيئة على ذهن سكان الصحراء وعلى سلوكهم ، كوّن عقلية خاصة بهم ، عقلية تجيد الملاحظة ، والمشاهدة ، وتعرف كيف تخزن المعلومات ، عقلية من حقها أن تنعت بأنها أجادت قسطا من المراقبة العلمية ، ونجم عن أسلوب الحياة هذا إضافة إلى ذلك شيوع وانتشار للمعرفة بين معظم الناس ، واحترام للعقل والفكر .